القواعد تغيّرت، وأموالك ستدفع الثمن
هل بدأت فقاعة الذكاء الصناعي في الانفجار؟
في الثاني عشر من يونيو ٢٠٢٦، بدأ تداول سهم SpaceX للاكتتاب العام على بورصة ناسداك.
ومن ورائه مباشرة، OpenAI.
ثم Anthropic.
ثلاث شركات. في أشهر متقاربة. بتقييمات مجمّعة قد تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار.
لم يحدث هذا من قبل في تاريخ الأسواق.
حتى اكتتابات طفرة الإنترنت عام ٢٠٠٠، لو جمعتها كلها وعدّلت قيمتها بالتضخم، لا تبلغ هذا الرقم.
لكن قبل أن تنبهر بالأرقام، قبل أن تُشغلك الصواريخ وخطط المريخ وبريق الذكاء الاصطناعي،
اقرأ هذا المقال حتى آخره.
لأن هناك شيئًا يجري في الخفاء، وهو يخصك مباشرة.
أولًا: من هو المشتري الوحيد القادر على استيعاب هذا الحجم؟
حتى نفهم المشهد لنبدأ بسؤال بسيط.
حين تطرح شركة ما اكتتابًا بقيمة ٧٥ مليار دولار في يوم واحد، من الذي سيشتري هذا الكم الهائل من الأسهم؟
المستثمرين الأفراد؟
لا.
صناديق التحوط؟
حجمها لا يكفي.
الجواب: صناديق المؤشرات السلبية.
وهي التي تضم مدخراتك وأموال تقاعدك.
هناك ما يزيد على ٦٠٠ مليار دولار من الأصول مرتبطة بمؤشر ناسداك ١٠٠ وحده. حين تُدرج شركة في هذا المؤشر، تُلزَم هذه الصناديق بشراء أسهمها تلقائيًا، بلا تصويت، بلا اختيار، بلا نقاش.
هذا ليس استثمارًا طوعيًا. هذا آلية إجبارية مدمجة في النظام.
وهنا يأتي السؤال الأهم: متى تُدرج شركة في المؤشر؟
ثانيًا: القواعد تغيّرت قبل الاكتتابات بأسابيع
في الأول من مايو ٢٠٢٦، أعلنت بورصة ناسداك عن تعديل جوهري في قواعد إدراج الشركات في مؤشرها الرئيسي.
القاعدة القديمة كانت واضحة:
الشركة المدرجة حديثًا تنتظر ثلاثة أشهر على الأقل كمرحلة اختبار وتثبيت قبل أن تُضاف إلى مؤشر ناسداك ١٠٠. هذه الفترة كانت ضرورية لاكتشاف السعر الحقيقي واستقرار التداول.
القاعدة الجديدة:
خمسة عشر يوم تداول فقط.
لكن القاعدة لم تتوقف عند هذا.
المؤشر ألغى أيضًا اشتراط الحد الأدنى للتداول الحر، وهو الشرط الذي كان سيمنع SpaceX تلقائيًا من الدخول، إذ إن حصتها المطروحة للعموم لا تتجاوز أربعة إلى خمسة بالمئة فقط من إجمالي الأسهم.
وزاد على ذلك ما يشبه المضاعف الخفي:
الشركات التي تُدرج بنسبة تداول حر أقل من ٢٠ بالمئة تُحتسب في المؤشر بوزن أعلى مما تستحقه فعليًا.
فالشركة ذات الأربعة بالمئة تُعامَل وكأنها ١٢ بالمئة.
والخمسة تُعامَل وكأنها ١٥.
وهذا يعني أن صناديق المؤشرات ستشتري كميات أكبر مما يبرره العرض الحقيقي في السوق.
ناسداك لم تكن وحدها. مزوّد المؤشرات FTSE Russell سمح بالإدراج بعد خمسة أيام فقط.
وS&P 500 يسير في نفس الاتجاه. وإن كان لم يعلن عن هذا بعد.
كل مزود مؤشر كبير في العالم يعيد كتابة قواعده في نفس التوقيت، قبيل نفس الاكتتابات، بأسابيع أو أشهر قليلة.
يمكنك أن تقول هذا مصادفة. ويمكنك أن تفكر مرة أخرى.
ثالثًا: SpaceX من الداخل، ثلاثة أعمال في جسد واحد
حين تسمع اسم SpaceX، تتخيل الصواريخ العملاقة، والمركبات الفضائية، وأحلام الاستيطان على المريخ.
هذه الصورة صحيحة، لكنها ناقصة جدًا.
SpaceX اليوم هي في الحقيقة ثلاثة أعمال مختلفة تمامًا وُضعت تحت سقف واحد.
العمل الأول هو أعمال الصواريخ والعقود الحكومية مع ناسا والجيش الأمريكي ووكالات الفضاء حول العالم، وهي تُدرّ إيرادات جيدة ومعقولة.
العمل الثاني هو Starlink، خدمة الإنترنت الفضائي عبر الأقمار الاصطناعية. وهذا الجزء حقيقي ومربح. تجاوز عشرة ملايين مشترك في أكثر من ١٥٠ دولة. حقق إيرادات بلغت ١١.٤ مليار دولار بهامش ربح وصل إلى ٦٣ بالمئة. لو كانت SpaceX هي Starlink وحدها والصواريخ، ربما كانت القصة مختلفة تمامًا.
العمل الثالث هو xAI، شركة الذكاء الاصطناعي التابعة لإيلون ماسك. وهذا الجزء يحرق أموالًا بمعدل يتجاوز المليار دولار كل شهر.
النتيجة حين تجمع الثلاثة معًا واضحة:
في عام ٢٠٢٥، تحوّلت SpaceX من ربح إلى خسارة صافية بلغت ٤.٩ مليار دولار،
ثم أضافت خسائر أخرى بلغت ٤.٣ مليار دولار في الربع الأول من ٢٠٢٦ وحده.
إيراداتها المجمّعة لعام ٢٠٢٥ لم تتجاوز ١٨.٦٧ مليار دولار.
وعند تقييم يبلغ ١.٨ تريليون دولار، تتداول الشركة بمضاعف يبلغ ١٠٧ أضعاف إيراداتها السنوية.
للمقارنة، الشركات في طليعة أكبر ثورات التكنولوجيا في التاريخ الحديث لم تستطع الحفاظ على مضاعف مبيعات يتجاوز ٣٠ مرة على المدى البعيد.
ما ثم بيعه لك ليس فقط Starlink المربحة.
ما بيع لك هو الحزمة كاملة: الصواريخ، والأقمار، وxAI التي تحرق المليارات، كلها مجمّعة معًا، بأعلى تقييم في تاريخ الاكتتابات.
رابعًا: OpenAI وAnthropic، الصف الثاني الأضخم
SpaceX هي المشهد الأول. لكن ما خلفها لا يقل ثقلًا.
OpenAI تُحقق إيرادات سنوية تجاوزت ٢٥ مليار دولار، وتستعد لاكتتاب بتقييم يقترب من التريليون دولار.
لكن المشروع يُقدَّر أنه سيخسر ١٤ مليار دولار في ٢٠٢٦، ولا يتوقع الوصول إلى الربحية قبل عامَي ٢٠٢٩ أو ٢٠٣٠.
Anthropic تقدمت للجهات التنظيمية بطلب اكتتاب سري، مع استهداف طرح محتمل في أكتوبر ٢٠٢٦،وذلك بعد إغلاق جولة تمويل بلغت ٦٥ مليار دولار بتقييم تجاوز ٩٦٠ مليار دولار.
ثلاث شركات. بتقييم مجمّع يقترب من ثلاثة تريليونات ونصف دولار.
وبورصة ناسداك وغيرها تُعدّل قواعدها لاستيعابها في المؤشرات بأسرع وقت ممكن.
خامسًا: الحلقة الدائرية للمال، الوهم الذي يبدو كنمو
الآن نصل إلى أخطر جزء في هذه القصة.
شركات كـ Microsoft وGoogle وAmazon وMeta تضخ مئات المليارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الإنفاق الرأسمالي المجمّع للشركات الأربع الكبرى يُتوقع أن يبلغ قرابة ٧١٠ مليارات دولار في ٢٠٢٦،
مع توقعات بتجاوز التريليون دولار في ٢٠٢٧.
جزء كبير من هذا المال يذهب كاستثمارات في شركات مثل OpenAI وAnthropic.
هذه الشركات تأخذ هذه الأموال، وتعيد إنفاقها على استئجار الحوسبة السحابية من Microsoft وAmazon وGoogle أنفسهم.
تُسجّل الشركات الكبرى مكاسب استثمارية ورقية ضخمة في دفاترها.
وتستخدم هذه المكاسب الورقية لتبرير إنفاق المزيد. ثم تعود الدورة من البداية.
المال يدور في حلقة مغلقة، تبدو من الخارج وكأنها نمو حقيقي، بينما هي في جوهرها إعادة توزيع للأموال بين نفس المجموعة من الشركات.
والنتيجة الحسابية واضحة.
التدفق النقدي الحر لكبرى الشركات التقنية يتراجع بشكل حاد.
Alphabet يُتوقع أن ينخفض تدفقها النقدي الحر بنحو ٩٠ بالمئة هذا العام إلى ٨.٢ مليار دولار، بعد أن كان ٧٣ مليار دولار في ٢٠٢٥.
ومن المتوقع أن تتحوّل Amazon إلى تدفق نقدي حر سالب خلال هذا العام.
الشركات ذاتها التي كانت قبل سنوات قليلة الأكثر ربحية في تاريخ البشرية، باتت تنفق أكثر مما تُنتج.
ومع ذلك، مضاعفات أسعارها على أرباحها لا تزال تبدو معقولة.
لماذا؟
لأن الأرباح نفسها هي التي قد تكون مضخّمة.
سادسًا: فقاعة الأرباح، الأخطر لأنها الأصعب رؤية
كثيرون يقارنون الوضع الراهن بفقاعة الإنترنت عام ٢٠٠٠.
لكن المقارنة فيها خلل جوهري.
في عام ٢٠٠٠، كانت مضاعفات الأسعار على الأرباح لشركات التكنولوجيا تصل إلى مئات الأضعاف.
الفقاعة كانت ظاهرة واضحة في أرقام التقييم نفسها، وكان من السهل على المحلل المتمرس رؤيتها.
اليوم، مضاعفات الأسعار لكبرى الشركات التقنية تبدو معقولة ومقبولة عند النظرة الأولى.
وهنا بالضبط تكمن الخطورة.
قد لا تكون هذه فقاعة في التقييمات.
قد تكون فقاعة في الأرباح نفسها.
حين تكون الأرباح هي المُضخَّمة بفعل المكاسب الورقية الناتجة عن الحلقة الدائرية، يبقى مضاعف السعر على الأرباح منخفضًا وصحيًا في الظاهر.
الجميع مطمئن.
والتحذيرات تبدو مبالغًا فيها.
حتى تنكشف الحلقة.
التاريخ المالي يعرف هذا النمط جيدًا.
قبل أزمة ٢٠٠٨، كانت أرباح البنوك تبدو سليمة تمامًا في كل تقرير ربع سنوي. ثم تبيّن فجأة أنها مبنية على أصول لا تساوي ربع ما كُتب في الدفاتر. وانهارت بنوك ظنّ الجميع أنها راسخة.
شركات قطاع البناء قبل ٢٠٠٨ كانت في نفس الوضع.
أرباح تبدو قوية، وتقييمات تبدو منطقية، حتى لحظة الانهيار.
وفقًا لمسوحات مؤسسية متعددة في ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، فإن ٩٥ بالمئة من مشاريع الذكاء الاصطناعي على مستوى الشركات لم تُحقق أي عائد قابل للقياس.
الأموال تتدفق. البنية التحتية تُبنى. والأرباح تُسجَّل. لكن الإنتاجية الحقيقية التي تستحق كل هذا الإنفاق، لا تزال موضع تساؤل.
سابعًا: المؤشر يرتفع بينما معظم الأسهم تنخفض
هناك ظاهرة غريبة تحدث الآن في قلب الأسواق الأمريكية.
مؤشر S&P 500 يُسجّل أرقامًا قياسية متتالية.

لكن حين تنظر تحت السطح، تجد أن عدد الأسهم التي ترتفع أقل من عدد الأسهم التي تنخفض.
المؤشر يُحقق أرقامًا قياسية لكن على عرض ضيق جدًا.
القوة الرافعة تأتي من حفنة من الشركات الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما بقية السوق تتراجع بهدوء.
وهذه الشركات الكبرى الرافعة للمؤشر هي نفسها التي تستعد لاستقبال ثلاثة من أضخم الاكتتابات في التاريخ.
ثامنًا: درس التاريخ، التكنولوجيا تنتصر والمستثمر الأول يخسر
في نهايات القرن التاسع عشر، غيّر مد شبكة السكك الحديدية وجه أمريكا كلها.
التكنولوجيا كانت حقيقية. السكك الحديدية وصلت القارة من المحيط إلى المحيط. الزراعة والتجارة والصناعة تحوّلت تحوّلًا جذريًا. والسكك الحديدية لا تزال هنا حتى اليوم.
لكن المستثمرين الأوائل الذين موّلوا هذا المد خسروا كل شيء. أُفلست شركاتهم. ثم جاءت موجة ثانية من المستثمرين، اشترت نفس الشبكة بعد الانهيار بأسعار زهيدة، وبنت عليها الاقتصاد الأمريكي الحديث.
نفس القصة تكررت في التسعينيات مع كابلات الألياف الضوئية. مئات المليارات أُنفقت على مد الكابلات تحت المحيطات وعبر القارات. الشركات التي مدّتها أُفلست في انهيار دوت كوم. ثم جاء مستثمرون لاحقون، اشتروا هذه البنية التحتية بثمن بخس، فأصبحت العمود الفقري للإنترنت الذي يُشغّل حياتنا اليوم.
التكنولوجيا انتصرت في كل مرة. والمستثمرون الأوائل الذين دخلوا عند ذروة التضخم خسروا في كل مرة.
الاكتتاب لا يكون في العادة عن حاجة الشركة للمال. هو في الغالب عن حاجة المستثمرين الأوائل والمؤسسين إلى مشترين. وأفضل لحظة لإيجاد هؤلاء المشترين هي حين يريد الجميع ما تبيعه.
وهذا بالضبط ما يحدث الآن.
تاسعًا: لماذا الآن تحديدًا؟
هناك نظرية تفسّر التوقيت.
الحلقة الدائرية للأموال بين شركات التكنولوجيا الكبرى وشركات الذكاء الاصطناعي تعمل طالما ظلت تقييمات هذه الشركات بعيدة عن الاختبار الحقيقي.
حين تبقى شركة خاصة، قيمتها هي ما يتفق عليه عدد محدود من المستثمرين في جولة تمويل مغلقة.
لكن حين تطرح اكتتابًا عامًا، تصبح قيمتها ما يُقرره السوق المفتوح بملايين المشترين والبائعين.
إذا جاءت قيم الاكتتابات أقل مما سجّلته Google وAmazon كمكاسب استثمارية ورقية في دفاترها، تُضطر هذه الشركات إلى تعديل أرباحها للأسفل.
والأرباح المُعدَّلة ستضغط على أسعار أسهمها.
والأسعار المنخفضة ستُضعف قدرتها على الاقتراض والإنفاق على المزيد من الذكاء الاصطناعي.
والحلقة تبدأ في الدوران بالاتجاه المعاكس.
لهذا ربما تُريد هذه الاكتتابات أن تحدث الآن، بينما التقييمات في أعلى مستوياتها، وقبل أن يُختبر أيٌّ من هذه الأرقام بضوء السوق المفتوح.
خاتمة: ماذا تفعل بهذه المعلومات؟
لا يعني هذا المقال أن الذكاء الاصطناعي وهم. ولا أن SpaceX احتيال.
Starlink حقيقية ومربحة وتغيّر الاتصالات على الكوكب. Anthropic وOpenAI يبنيان تكنولوجيا ستُعيد رسم معالم العالم في العقود القادمة.
الذكاء الاصطناعي ثورة حقيقية.
لكن هناك فرق جوهري بين أن تنتصر التكنولوجيا وأن ينتصر المستثمر الذي يدخل عند قمة التقييمات التاريخية.
السكك الحديدية انتصرت. المستثمرون الأوائل خسروا.
الألياف الضوئية انتصرت. المستثمرون الأوائل خسروا.
المعادلة ليست عن جودة التكنولوجيا فقط. المعادلة عن السعر الذي تدفعه مقابلها.
خذ وقتك.
افهم ما تشتري.
وافهم من الذي يبيع لك،
ولماذا يبيع الآن تحديدًا.
لأن من سيشتري الاكتتابات الثلاثة الأضخم في تاريخ البشرية لن يكون صندوق تحوط محترفًا يحلّل كل رقم بعين باردة.
سيكون المشتري الأكبر هو صناديق المؤشرات السلبية.
تلك التي تضم أموال تقاعدك ومدخراتك.
بحكم القانون، وتلقائيًا، وبلا استئذانك.







