القصة التي يقف عليها سوق الأسهم الأمريكي… ومن يستطيع إنهاءها
هل أوشكت فقاعة الذكاء الصناعي على الانفجار
رسالة واحدة، أُرسلت في الثاني عشر من يونيو، كانت كافية لتعيد ترتيب حسابات العالم.
الرسالة كانت من وزارة التجارة الأمريكية إلى شركة في سان فرانسيسكو.
وبحلول نهاية ذلك اليوم، صار أقوى نموذجين للذكاء الاصطناعي في العالم محجوبين عن كل من لا يحمل الجنسية الأمريكية.
ليس الصين وحدها.
فرنسا. ألمانيا. اليابان. وحتى موظفو الشركة نفسها، إن لم يكونوا أمريكيين.
بعد أربعة أيام فقط، أعلنت فرنسا أن جهاز مخابراتها الداخلية سيستغني عن أدوات شركة Palantir لصالح شركة فرنسية.
وقال رئيس وزرائها جملة تستحق أن تُحفظ:
لا يمكننا الاعتماد على شركاء قادرين على إغلاق الصنبور.
ألمانيا سبقتها. بريطانيا تراجع عقودها. وأوروبا كلها بدأت تسأل السؤال نفسه.
هذه ليست قصة سياسية.
هذه قصة مالية بامتياز، لأن سوق الأسهم الأمريكي كله ــ صناديق المؤشرات، حسابات التقاعد، محافظ الملايين ــ يقف اليوم على افتراض واحد:
أن العالم مضطر لاستخدام التكنولوجيا الأمريكية.
وأن الأرباح، عندما تأتي، ستذهب كلها إلى الشركات الأمريكية.
في يونيو الماضي، اكتشف العالم أن لديه خيارًا.
الرقم الذي يجب أن تنظر إليه أولًا
أربع شركات أمريكية فقط ــ Microsoft و Google و Amazon و Meta ــ ستنفق نحو 725 مليار دولار على البنية التحتية هذا العام.
ارتفاعًا من 410 مليار في العام الماضي.
زيادة 77% في اثني عشر شهرًا.
وإذا أضفت Oracle، والشركات السحابية الصغيرة، والمشاريع السيادية، فإن دورة الإنفاق الحاسوبي العالمية في 2026 تلامس تريليون دولار.
تريليون دولار في سنة واحدة.
هذا أضخم برنامج إنفاق رأسمالي خاص في تاريخ البشرية.
الآن اسأل السؤال البسيط الذي يتهرب منه الجميع:
ما العائد؟
السؤال الذي لا تجيب عنه أي شركة
هذه الشركات تفصح عن كل شيء.
إيرادات السحابة. إيرادات الإعلانات. إيرادات YouTube. عدد المستخدمين النشطين. هوامش كل قطاع.
لكنها لا تفصح عن إيرادات الذكاء الاصطناعي.
الشركات العامة تعشق الأخبار الجيدة.
لو كانت الأرقام جميلة، لرأيتها في أول شريحة من العرض التقديمي.
الصمت هنا معلومة.
والمشكلة أعمق من الإفصاح.
تخيل أنك رئيس تنفيذي أنفقت 50 مليون دولار على الذكاء الاصطناعي هذا العام.
يسألك مجلس الإدارة: ماذا حصلنا مقابل هذا المبلغ؟
الإجابة الصادقة الوحيدة: لا أعرف.
لا يوجد رقم. لا أحد لديه رقم.
الشركات الأمريكية تدفع اشتراكات شهرية على تقنية لا تستطيع قياس مخرجاتها.
وهنا يأتي الاعتراض الأذكى الذي سمعته في هذا النقاش كله.
لو كانت هذه التقنية بهذه القيمة الهائلة، لماذا تبيعها الشركات بالتوكن؟
فكر في طريقة الدفع في أي عمل تجاري.
تدفع للمحامي ليكسب لك القضية. تدفع للمقاول ليبني لك البيت. السعر مرتبط بنتيجة.
شركات الذكاء الاصطناعي تعمل بطريقة أخرى تمامًا. تدفع مقابل كل كلمة يقرأها النموذج، وكل كلمة يكتبها.
سواء كانت الإجابة عبقرية، أو خاطئة تمامًا.
لو كانت هذه الشركات واثقة من القيمة التي تصنعها، لكان عرضها التجاري هو الأسهل في التاريخ:
لا تدفع لنا شيئًا حتى نصنع لك أرباحًا، ثم خذ نصيبك وأعطنا نصيبنا.
لا أحد يقدم هذا العرض!
المخاطرة الأخرى التي تقلق الشركات
هناك خوف أعمق من مسألة العائد.
عندما تستخدم شركتك هذه النماذج، فإن بياناتك تمر عبرها.
عملياتك. أسرارك التجارية. الوصفة السرية التي تجعلك مربحًا.
ثم ماذا يحدث حين تتعلم شركة الذكاء الاصطناعي من عملك؟
تصير منافسك.
هذا ليس افتراضًا نظريًا. حدث بالفعل حين أطلقت إحدى شركات الذكاء الاصطناعي منتج تصميم بينما كانت تربطها علاقة عمل بشركة تصميم قائمة، وخرج الرئيس التنفيذي للأخيرة ليعبّر عن صدمته علنًا.
تخيل موقفك كصاحب شركة وأنت تشاهد ذلك.
تدفع ملايين سنويًا لمورّد، وأنت في الحقيقة تموّل تدريب من سيحل محلك.
النتيجة الطبيعية لهذا الخوف هي ما بدأت تسمعه من أكبر الشركات:
أريد أن أملك المعالجات.
أريد أن أملك بياناتي.
أريد أن أملك النموذج.
لماذا أعطي بياناتي لمن سيبني بها ميزته التنافسية عليّ؟
وهذا التحول وحده يهدد نموذج الإيجار الذي بُنيت عليه تقييمات تريليونية.
أجمل نموذج ربحي في التاريخ… وكيف كُسِر
لتفهم حجم المشكلة، ارجع خطوة إلى الوراء.
البرمجيات كانت أعظم نموذج تجاري اخترعه الإنسان.
تنفق مبلغًا ضخمًا مرة واحدة لبناء المنتج. ثم كل عميل جديد يأتي بأرباح شبه مجانية.
حين تشتري نسخة من Excel، لا تتحمل شركة Microsoft تكلفة إضافية تُذكر. الإيرادات ترتفع والتكاليف ثابتة.
الفجوة بين الخطين هي الربح. وهذه الفجوة هي سبب كون شركات التكنولوجيا أثمن شركات الأرض.
الذكاء الاصطناعي كسر هذه المعادلة.
كل سؤال تطرحه على النموذج يكلف الشركة كهرباء، ومعالجات تتآكل، وتبريدًا، وشبكة.
المزيد من العملاء صار يعني المزيد من التكلفة. دولارًا بدولار.
هذا ليس نموذج برمجيات. هذا أقرب إلى مطعم.
مع فارق بسيط: مطعم يخسر في كل وجبة يقدمها، وخطته لإصلاح الوضع هي تقديم وجبات أكثر.
الأرقام تقول ذلك بصوت عالٍ.
شركة OpenAI سجلت في 2025 خسائر تشغيلية بلغت 20.9 مليار دولار، مقابل إيرادات 13.07 مليار دولار.
إجمالي نفقاتها تجاوز 34 مليار دولار، ذهب منها 17.2 مليار إلى شريكها السحابي وحده.
أنفقت على البحث والتطوير أكثر من إجمالي إيراداتها.
والالتزامات التعاقدية المستقبلية المعلنة تقترب من 1.4 تريليون دولار.
لأكثر من عشرين عامًا، دُرّب المستثمرون على الصبر في مثل هذه الحالات.
قيل لهم: Amazon خسرت لسنوات ثم ربحت. الهوامش تتحسن مع الحجم.
لكن هنا شيء مختلف.
الهوامش لا تتحسن مع الحجم. التكاليف ترتفع خطيًا مع الإيرادات.
وكل نموذج جديد أغلى في التشغيل من سابقه.
الطبقة الأخطر: من يموّل من
هنا يصير المشهد أشد غرابة.
شركة Oracle تبني طاقة حاسوبية هائلة تخدم عميلًا واحدًا في الأساس.
عميلًا خسر عشرين مليار دولار في سنة. OpenAI
وذكرت في تقريرها السنوي أن أحد المخاطر هو احتمال عدم تحصيل مستحقاتها.
وشركة NVIDIA تبيع معالجاتها لشركات سحابية صغيرة، تقترض هذه الشركات مليارات لشرائها، ثم تعود NVIDIA لتستأجر منها الطاقة نفسها.
فكّر في هذا جيدًا.
معرض سيارات يقرضك المال لتشتري منه سيارة، ثم يدفع لك ليستأجرها منك في عطلة الأسبوع، ثم يسجل العملية كلها كطلب حقيقي في السوق.
هناك اسم لهذه الظاهرة حين تنتشر في صناعة كاملة:
عملاء حقيقيون غير كافين.
الخيار الثالث: الصين
الافتراض الذي يحمل السوق كله هو أن الأرباح ستأتي، وأن الأمريكيين سيحصدونها، لأن العالم لا يملك بديلًا.
انظر إلى الأرقام.
أمريكا: مئات المليارات هذا العام، ودورة إنفاق تلامس التريليون.
الصين: نحو 125 مليار دولار في 2025، ورقم مشابه هذا العام.
الفارق في الإنفاق يقارب ستة إلى ثمانية أضعاف لصالح أمريكا.
الفارق في السعر يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
خذ مهمة برمجية واحدة، وأعطها لنموذج أمريكي متقدم ولنموذج صيني مفتوح المصدر.
كلاهما أنجزها. وكلاهما استغرق نحو خمس دقائق ونصف.
النموذج الأمريكي: 2.33 دولار.
النموذج الصيني: 31 سنتًا.
أرخص بنحو سبعة أضعاف ونصف.
وهذه ليست حالة معزولة. تصنيفات النماذج العالمية اليوم تمتلئ من المنتصف بأسماء صينية. DeepSeek و Qwen و Kimi و MiniMax و GLM.
أمريكا ما زالت تملك أذكى نموذج في العالم. هذه حقيقة.
لكن السؤال الذي يطرحه كل صاحب عمل ليس: من الأذكى؟
السؤال هو: هل أحتاج الأذكى لأرد على رسائل خدمة العملاء؟
الجواب لا.
أمريكا تكسب سباق الإنفاق. والصين تكسب سباق العميل.
كيف تفعلها الصين بهذه التكلفة؟
الكلمة السحرية هي التقطير.
تدريب نموذج ذكي من الصفر يعني إنفاق مليارات لتعليمه كل شيء بالطريقة الصعبة.
لكن هناك طريقًا مختصرًا. يمكنك تدريب نموذجك بدراسة مخرجات نموذج موجود بالفعل.
أنت تنسخ إجابات الامتحان بدل أن تحل الأسئلة.
فتنفق أمريكا مئات المليارات على أصعب أبحاث في تاريخ البشرية، ثم تُضغط النتائج في نماذج صينية أصغر وأرخص، وتُعطى للعالم مجانًا.
كل دولار إنفاق أمريكي يتحول جزئيًا إلى هدية للصناعة الصينية.
وصار الأمر عاديًا إلى حد أن شركة توصيل طعام صينية أطلقت نموذجًا ينافس نماذج مختبرات أنفقت مليارات.
توقف عند هذه النقطة.
إذا كانت شركة توصيل طعام قادرة على مجاراة ما تفعله شركة قيمتها تريليونات، فهل تستحق تلك الشركة تريليونات؟
متى تنفجر الفقاعة؟
المنطق يقول: حين تتوقف الشركات عن الإنفاق الرأسمالي.
التاريخ يقول شيئًا آخر.
مؤشر Nasdaq بلغ قمته في مارس 2000.
الشركات التي كانت تمد كابلات الألياف الضوئية ــ مراكز بيانات ذلك العصر ــ استمرت في الإنفاق حتى 2001.
السوق انهار قبل توقف الإنفاق بعام كامل.
لأن السوق لا ينتظر اعترافًا.
السوق يتحرك حين يتوقف عدد كافٍ من المستثمرين عن تصديق القصة.
الشرارة هذه المرة ستكون أصغر مما تتخيل.
جملة عابرة في مكالمة أرباح.
رئيس تنفيذي يقول: نحن نعدّل وتيرة استثماراتنا في البنية التحتية.
أول شركة تكافئها وول ستريت على خفض إنفاقها، ستمنح البقية إذنًا بفعل الشيء نفسه.
هذه صناعة تقلّد بعضها. لا أحد يريد أن يكون الأول، والكل يريد أن يكون الثاني.
العلامة الثانية هي الديون.
تريليونات مراكز البيانات المخطط لها تحتاج تمويلًا من مكان ما.
اليوم يوجد المال. حين يتوقف إصدار ديون مراكز البيانات، تكون تلك هي اللحظة.
مؤشر الطمأنينة الذي كذب من قبل
سوق الأسهم يعمل بالقصص والآمال.
سوق السندات لا يفعل. المقرض يريد شيئًا واحدًا: أن يستلم فائدته.
وحين يخاف، يطالب بعائد أعلى.
الفارق بين عائد سندات الحكومة الأمريكية وعائد سندات الشركات هو ما نسميه فرق الائتمان.
اعتبره قسط تأمين ضد الإفلاس.
في 2008 قفز هذا الفارق إلى نحو 22%.
أُغلق صنبور الائتمان، وسقطت كل شركة كانت تعيش على الاقتراض.
اليوم؟
الفارق عند 2.70%.
قريب من أدنى مستوياته المسجلة، ودون متوسطه التاريخي البالغ نحو 4.9% بمسافة واسعة.
هذا يعني أحد أمرين.
إما أن سوق السندات لا يرى أي مشكلة، وكل ما قرأته حتى الآن مبالغة.
وإما أن سوق السندات مخطئ.
وقبل أن تختار، تذكر رقمًا واحدًا.
في مطلع 2007، والأزمة العقارية تتشكل تحت السطح، وبنك Bear Stearns على بعد أشهر من الانهيار، كان هذا الفارق عند 2.5% تقريبًا.
هادئًا. مطمئنًا. تمامًا كما هو اليوم.
فروق الائتمان لا تقيس ما هو صحيح.
تقيس ما يصدّقه المقرضون.
وقد صدّقوا في 2007 أن سوق العقار آمن.
ماذا يعني هذا لك؟
لا أكتب لك هذا لأقول إن السوق سينهار غدًا.
لا أحد يعرف التوقيت، ومن يدّعي معرفته يبيعك شيئًا.
أكتب لك لتفهم على أي افتراض تجلس محفظتك.
هناك تفصيلة أخيرة تستحق تأملك.
منذ العام الماضي، ارتفعت أسهم بائعي المعدات ــ صانعو الرقائق والمكونات ــ بمئات في المئة.
أما أسهم الشركات التي تنفق التريليونات على بناء هذه المراكز، فبالكاد تحركت.
اقرأ هذه الجملة مرة أخرى.
السوق يكافئ من يستلم المال، ويتجاهل من يدفعه.
هذا هو اعتراف السوق الضمني بأنه لا يصدّق أن المنفقين سيستردون أموالهم.
وفي الوقت نفسه، انخفض مؤشر تكلفة التوكن عالميًا بنحو 20% عن ذروته.
في ذروة أكبر بناء تقني في التاريخ، سعر المنتج ينخفض.
إما أن الطلب يهاجر إلى النماذج الأرخص، وإما أن المشترين رفضوا الدفع أكثر.
وكلا الاحتمالين يقودك إلى النتيجة نفسها.
السؤال الذي عليك أن تجيب عنه
الذكاء الاصطناعي تقنية حقيقية. سيغير الاقتصاد. هذا لا خلاف عليه.
لكن التقنية الحقيقية والاستثمار الجيد شيئان مختلفان.
السكك الحديدية غيّرت العالم، وأفلست معظم من موّلوها.
الإنترنت غيّر العالم، وخسر مستثمرو 2000 ثمانين في المئة من أموالهم لعقد كامل قبل أن يعود.
الفارق دائمًا في السعر الذي دفعته، وفي وضوح رؤيتك لمصدر الربح.
لذلك اسأل نفسك سؤالًا واحدًا عن كل سهم تملكه اليوم:
هل تملك شركة تربح من الذكاء الاصطناعي؟
أم تملك شركة تنفق على الذكاء الاصطناعي وتأمل أن تربح لاحقًا؟
وهل السعر الذي دفعته يفترض أن الأمل سيتحقق كاملًا، بلا منافس، وبلا خصم؟
القصة التي يقف عليها السوق اليوم هي أن العالم لا يملك خيارًا.
في يونيو الماضي، اكتشف العالم أن لديه خيارًا.
فمتى يكتشف السوق ذلك؟
تابعني على Mohammad Hassan


